Button of the File
 
          الصفحة الرئيسية   أهداف الرؤيا   من نحن   المنتجات   أخبار الرؤيا   إتصل بنا    

Last of MenuBegin of MidleLast of Midle

 
الرؤيا نت
الساحر العجيب
صالون الرؤيا
تواجد ومشاركات
 
 

Begin New Code Write Here

التقويم

التقويم :

أنا رجلٌ طموح، أحب التألق والإبداع، لم تكن إعاقتي يوماً عوقٌ لي عما أرغب أو أريد، بل كان فقد بصري دافعي الأكبر للتميز والمزيد، بدأت حياتي متعلما اجتزت مراحل التعليم المختلفة ، وجدتني أعشق الحرية في طبيعة العمل الذي أختار، وكان اختيار ويا له من اختيار، أن أكون رجل أعمال مرموق، ولعلكم تستغربون، أعمى رجل أعمال مرموق!! نعم، فالإنسان الطموح لا يرضي طموحه إلا القمم، فالمرء بأصغريه كما يقولون عقله ولسانه، وإذا غامرت في شرفٍ مرومِ، فلا تقنع بما دون النجوم، وكان لون حريتي وطعمها عجيب، فأنا أحب المغامرة، فرأيت أن ما يناسبني هو أن أعمل في مجال استيراد الأجهزة المعينة للمعاقين، بمختلف أنواعها، وقد أعددت للأمر عدته، واخترت مكتبي الذي سأمارس فيه نشاطي التجاري، فخصصت جزء من المنزل الذي أسكن فيه ليكون مركز نشاطي، لأن منزلي يطل على الشارع العمومي، فوضعت في هذا المكتب جهاز كمبيوتر، وهاتف مع البريد المصور، وأوصلته بشبكة الإنترنت، وبدأت في البحث عن مساعد يساعدني في عملي.

التحقت بالعمل معي سكرتيرة, فتاة تخرجت في هذا المجال، اخترتها بعناية فائقة لتكون متميزة في كل شيء، في ملبسها, في استقبالها، في انضباطها،  ولتكون هي عضدي الأيمن وعيني التي تقف لي على كل شؤوني، وبدأت أعمالي تكثر، ونشاطي يتسع، ومواعيدي تتدافع، وهكذا كانت الانطلاقة.

كنت في بادئ الأمر أعتمد اعتمادا كليا على من تعيش معي كل دقائق أعمالي، فهي تسجل لي ملاحظاتي، وتنظم لي مواعيدي، وتقرأ لي مذكراتي، وتكتب لي كل ما يعن لي من خواطري وخلجاتي.

يبدو أني من شدة ما رأيت من نباهتها، وفرط دقتها، وسلاسة منهلها في تدوين المعلومات، وضبط مواعيد اللقاءات، وفن اللباقة واللياقة والأناقة في التعامل مع الزبائن واستقبال المكالمات، يبدو أني نسيت أو تناسيت أنها بشر قد تقصر عن بعض المهمات.

وصلتني دعوة كريمة من إحدى الشركات الرائدة في مجال معدات المعاقين  لكي نلتقي في معرض من المعارض الدولية المختصة، لكي نشاهد الجديد والمفيد، ثم لنجلس لنعقد عقد وكالة وشراكة بيني وبين تلك الشركة.

وبالفعل اتفقنا على موعد لقانا، وكان من الأمر ما كانَ.

كان موعد تلبية الدعوة بعد شهر من وصولها إلينا، فأخبرتها بالموعد المرتقب، واعتدت  ألا أتابعها من دقة ما أجد من ضبطها للمواعيد ومتابعتها للقريب والبعيد، ولكن سبحان الذي هو أقرب إلينا من حبل الوريد، وهو الوحيد الذي لا يسهو طرفة عين عن شأن العبيد.

كنت في استراحة استجمام وتجديد نشاط على شاطئ البحر مع أسرتي الكريمة، وكانت تلك الراعية لشؤون مكتبي توافيني بكل جديد سواء كان مهما أو غير مهم،  فهي تقوم بالاتصال على هاتفي الجوال، وكنت في راحتي وكأني في مكتبي تخبرني بشأن الأول والآخر والظاهر والباطن، ولكن لكل شيء أذا ما تم نقصانُ، فلا يُغَر بطيب العيشِ  إنسانُ.

وبينما كنت أستمتع بقضاء وقت ممتع على الشاطئ، وكنت بالتحديد استمتع بنسمات الصباح العليلة، أنتظر من تلك الراعية تقريرها اليومي كعادتها، أفاجأ أنني لم أسمع صوتها في ذلك اليوم ، فالتمست لها الأعذار في نفسي، وقلت لعلها متعبة أو أنها انشغلت في بعض  أعمالها!!!

وانتهى دوام ذلك اليوم ولم أسمع لها حساً، ولا بان لها رسماً، ما الذي حدث يا ترى؟!!

اتصلت بهاتف بيتها للاطمئنان عنها، واستلمت المحادثة الكريمةُ أمها، سألتها عن تلك الراعية فعاجلتني بجوابها في المستشفى, فانعقد لساني لأول الأمر ثم تداركت بقولي خيرا ما بها؟ فأدركت الأم لحظة اندهاشي وقالت خيرا نقلوها لإجراء عملية استئصال الزائدة، فما كان مني إلا أن واسيت الأم بدعواتي الصادقة بشفائها وعافيتها.

قمنا بواجب الزيارة والعيادة، وتمت العملية بنجاح، وبقيت في المستشفى ثلاثة أيام، ثم خرجت بسلامة الله.

وبعد خروجها والاطمئنان عنها،  اصطحبت زوجتي إلى مكتبي لأرى ما الجديد في مواعيدي لأن راعية أعمالي ستبقى فترة أخرى للاستراحة، فتحت زوجتي جهاز الكمبيوتر لتراجع مواعيدي وإذ بنا نفاجأ أن موعد لقاءي مع تلك الشركة التي أردت الالتقاء بها قد مر عليه يومان، ونسيت في خضم المستشفى والعملية  أن أتابع، ولكَم شعرت بالأسى والضيق لفوات الموعد ذلك كله بسبب عدم تسلحي بسلاح التقنية، واعتمادي كل الاعتماد على طرف واحد فقط، وهو عرضة ككل البشر لنائبات الدهر ومصائب الزمان.

قمت بالاتصال بتلك الشركة وخسرت تكاليف إضافية لأنتقل إلى مكان آخر ليتم اللقاء المرتقب.

عادت راعية أعمالي إلى سابق عهدها، بقوة نشاطها ودقة عملها، فحمدت الله على ذلك، وانطلقت إلى رحلتي وأصبت ما أريد من وكالتي مع تلك الشركة المصنعة، وعدت راشدا وغانما وسالما.

وذات صباح، وكنت أحتسي قهوتي المعتادة، وأراجع أنا وراعية أعمالي المستجدات والمواعيد والرد على الفاكسات، وإذ بها تباغتني بقولها:

عفوا يا أستاذ؟!!!

قالت: أريد أن آخذ إجازة؟

فقلت لها عجيب! ألم تكوني في إجازة؟

قالت: بلى ولكن هذه إجازة طارئة.

فقلت: خيرا؟ إن شاء الله!!

قالت:  والخجل يُلجم كلامها، والحياء يوقف لفظها،  ولسانها أني أستعد لعقد قراني مع ابن عمي، ومن ثم سيكون زفافنا.

ولفني صمت رهيبُ!!!، وخلال لحظات داهمتني هواجس كثيرة، من سيقوم مقامها؟ من سيعمل بدقتها؟ من سيكون في رقتها ولباقتها وسعة صدرها؟، فما وجدت جوابا.

تداركت نفسي قائلا: وهل ستستمرين معنا في عملك؟

وكان الجواب متوقعا ومؤلما في  آن واحد، وقد شعرت المسكينة بعظم ما أقاسي، وعمق ما أعاني، وشعرت بقوة المسؤولية التي كانت تحمل عني، وشعرت من خلال صمتي وتجهمي وقلقي مدى حاجتي إليها، فأجهشت بالبكاء وخرجت من مكتبي لتتركني مع وحدتي وصبري وعزمي.

بقيت ساعة أو ساعتين تائها لا أدري ما الذي جرى, وما الذي ينبغي أن أفعله بعد هذا المصاب؟، أأبحث عن غيرها؟، ولكن من سيكون مثلها؟، وفي الواقع كنت لا أحب كثرة التجارب في هذا الأمر، أأكلف زوجتي بهذا العبء الثقيل؟ فهي أكثر المستأمنين حولي؟ ولكن يبقى البيت والأولاد من بهم؟، ولا أستطيع أن أكلفها ما لا تطيق.

كل هذه الأسئلة وغيرها عنت في خاطري،  وصالت وجالت في مخيلتي ولكن ما حِرت جوابا.

تماسكت بعد صدمتي، وفكرت بعقلي أن هذا الأمر هو أمر طبيعي، وهي لن تبقى لي على المدى، فاستدعيتها وكفكفت دمعتها بمواساتي وحديثي وطمأنتها أني قد فهمت موقفها، وقدرت إنسانيتها، وأكرمت وفادتها، وأجزلت العطاء،  لها, ثم أحسنت وداعها، وذهبت في أمان ربها.

ذات صباح دخلت مكتبي، وجلست  أرشف قهوتي كعادتي، وإذ بي أسمع صوت رنين الجوال؟، سارعت بالرد ويا لا هول المفاجأة، ويا لا محاسن القدر، ويا لا فرحتي ودهشتي عندما سمعت صوت التي كانت راعية شؤوني وهي تقول لي: السلام عليكم أنا...

توقفت لحظة لعلي مازلت في نومي وأحلم، ولكنه صوتها وأنا يقظان ولست نومان، نعم إنها الحقيقة، فرددت عليها السلام.

ولكَم كانت سعادتي غامرة عندما أخبرتني أنها تريد لقاءي في مكتبي؟!!!

أجبتها على الفور بالموافقة، وجلست في لحظة ساقتني فيها كل الأفكار المتوقعة وغير المتوقعة، ولكن كل أفكاري لم تقدني إلى ما فاجأتني به هذه الراعية الرائعة.

طرقت الباب بخفة، فشاقني وتاقني زمان قد ولى وانتهى، واستلمتني لحظتها ذكريات غالية كم شملتها تلك الطرقات الخفيفة  الظريفة المأدبة، وسَرتْ تلك الراعية الرائعة لتتسرب إلى كل جنبات مكتبي ونفسي وخاطري، فاستقبلتها بحفاوة وترحيب، وجلستْ بكل ما عرفت عنها من لياقة وأناقة ولباقة.

سألتها عن الحال والأحوال؟ فشكرت لي الحال، ولاذ بيننا صمت قليل لكنه عميق، أخال أن كلاً منا أخذته ولبرهة نشوة الذكريات، وقاطعتْ هذا الصمت بقولها، ماذا كنت تتوقع مني يا أستاذ عندما تركت هذا المكتب؟

فأجبتها مجاملا كل خير.

قالت نعم لقد أتيتك بالخير كله.

فاستعدلت في جلستي، وأصغت لها الأسماع والجوارح, فكنت لها كُلي  آذانٌ  صاغية.

فابتسمت ابتسامتها الرائقة قائلة: أني أحمل لك مفاجأة، وقد سعِدت كثيرا عندما عثرت عليها وأحسست بأني سأقدم لك شيئا أعوض به بعضاً من جميلك الذي طوقني.

فأجبتها بابتسامة مشابهة، ليس هناك من جميل فأنتِ تستحقين أكثر من ذلك، وإن كان ما تقصدينه سكرتيرة أخرى فأنا سأبحث عنها على مهل لعلي أجد من أمري مخرجا يرضيني.

فسكتت برهة، ثم قالت هذه سكرتيرة ولكن من نوع  آخر.

فعاجلتها ضاحكا: هل هي من عالم الجن؟!!

فقالت: نعم أنه برونتو أصغر أجندة إلكترونية للمكفوفين في العالم ناطقة وبرايل باللغتين العربية والإنجليزية.

فتوقفت لحظة، ثم دلفتْ قائلة إن هذا الجهاز العجيب يغنيك عني وعن احتياجك لأي إنسان غيري، وقد عثرت عليه في موقع شركة الرؤيا

Visiotech، وهي شركة متخصصة في تطوير وتعريب تقنيات المكفوفين وضعاف البصر، وقد أتيتك بمعلومات وافية عنها وعن مناشطها.

فبقيت ساكتا من هول المفاجأة، وعجز لساني عن شكرها، وسألتها هل يضبط لي مواعيدي؟, قالت نعم!!

قلت لها وكيف؟, قالت هذا ما سيجيبونك عنه هم، فاتصل بهم.

في الواقع كانت كلماتها لي بمثابة النور الذي يشق مدلهمات الظلام، والشمعة التي تنير لي طريق العتمة، وتجعل لي بصيص أمل  أرقب به المستقبل الزاهر.

فشكرتها بكل ما أوتيته من ألفاظ الشكر، وودعتها بكل مشاعر التوديع، فقد تركت هذه الراعية بصمة في حياتي لا تُنسى.

وعلى الفور اتصلت بتلك الشركة الرائدة لألقى منهم كل ترحيب وإكبار، وقمت بزيارتهم وتعرفت إلى برونتو الذي أصبح لي روحا جديدة، وأعطاني طعما للحياة لم أذق مثله من قبل، فاقتنيته ليكون رفيقي الدائم في حِلي وترحالي، ووجدته روضة غنَّاء فيها من أفانين التقنية ما فيها، أفتحُ التقويم الذي أسجل فيه كل بياناتي عن مواعيدي، الزمان, والمكان, والتاريخ, والساعة, والشخص المعني باللقاء، وكل المعلومات المراد الاحتفاظ بها ثم يتألق بحلته الرائعة ليعطيني التنبيه المطلوب في الوقت المطلوب، دون كلل ولا ملل ولا إبطاء ولا  إخلال.

أحببته بكل ما فيه, فهو الخليل الذي لا يترك خليله، وهو الرفيق الذي لا يجفى رفيقه، وهو الأمين الذي لا يُخلف مواعيده، يعطيني كل هذا بضغطة زر واحدة، معي في بيتي، في مكتبي، في الطائرة، على شاطئ البحر، في كل لقاءاتي، يخترق الزمان والمكان، واللحظة، ليوفر لي كلما أريد.

فلنهتف بكل حب نحبك يا برونتو، يا رفيقي الدائم.

 



بقلم يسري علي الهدار



..... للـخـلـف .....
Last New Code Write Here



أنت الزائر رقم : 353032
جميع الحقوق محفوظة 2007