كنا جلوس، عند أحد الأصدقاء، نتسامر بعد العشاء، على كوبٍ من الشاي، فدار هذا
الحديث:
قال الأول: أتدرون يا أصحاب ماذا يعني لي برونتو؟ قلنا وما
ذاك؟
قال: لقد كان لهذا
العجيب، أثرا لا يوصف، ودورا لا يُنسى، وسببا عظيما، في سريان النور في قلبي، وبين
جوانحي، فقد بدأت في حفظي لكتاب
ربي، ذلك الكتاب العزيز، الذي لا
يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فشغف
قلبي بحفظ كتاب ربي، ولكن يالا الأسف، فأنا ليس لي لا لوحٌ ولا دواة، ثم إذا
حفظت الآية والآيتين والعشر آيات، أسأل نفسي، وأنا غارقٌ في حيرتي، من يكتب لي
آياتي، ومن يضبط لي الحروف والكلماتِ، من يقرأ لي تفسيرها ويُخرج لي العِبر
والعظاتِ، فما أجد جوابا شافيا لهذه التساؤلاتِ، فيأتي العجيب، بكل أناتِ ليدخل ويغيرُ كل حياتي، ويأتي الفرج من رب الأرض والسماواتِ، هذا
برونتو الآن بين يدي، يعيش معي كل لحظاتِ، شبكته بكل رفق بوصلة سلكٍ رقيقة ودقيقة
وأنيقة، فما هي إلا برهة، وتنساب آيات الذكر الحكيم رقراقةً، سلسلاً، عسلاً، إلى
قلب ذلك العجيب، من خلال معالج النصوص، ويسعدني الساحر، بعرض تلك الآيات نصاً واضحاً
مضبوطا سائغاً للشاربين، فيطرب قلبي، ويسعد خاطري، فقد أصبحت الآن أعيش مع كتاب
ربي كيفما أشاء، أطالعه متى شئت،
أحفظه متى شئت، أراجعه متى شئت، في ليلٍ أو في نهار، في حِلٍ أو في ترحال، فما أملك
نفسي ومشاعري إلا أن أردد مع كل آية أحفظها، وعِبرة أرددها، وعظةٍ أمحصها إلا أن أقول، أحبك يا
برونتو.
وقال الثاني: أما عني، فإن لي مع هذا العجيب قصة حب لا تنتهي، فهو الذي عايشها معي لحظة بلحظة، وشاركني
أحاسيسي الدافقة نفسا بنفس، وكان هو الوحيد مكمن أسراري، وصندوق أفكاري، ومبعث آهاتي،
والكاتبُ لكل قصائدي وأشعاري، فأنا
لي زوجةٌ أحبها حباً عظيما، وأبذل لها وصلي، في كل مناسبة سعيدة، فكان يوم ميلادها،
ووددت أن يشاركني ذلك الصديق الصدوق الصادق لحظات صدقي مع حبيبة قلبي، وأم أولادي،
فاستدعيت ذلك الأمين، لأسطر على جنباته أجمل كلماتي، وأعذب قصائدي، وأسمى عباراتي،
لأهديها لسيدة قلبي، وملهمتي، أجمل الجميلاتِ، فحركت أناملي لأحرر في معالج النصوص
حكاياتي، فسطرت كل ما في خاطري، فقام الأمين
بتسجيل أحاسيسي وخلجات نفسي، ودفقات قلبي الصادقاتِ، فلما أتممت قصيدتي،
وسبرت غورها، واكتمل بناءها، وصفت ينابيعها، وسمت معانيها، وارتفعت مبانيها، دعوت زوجتي
حبيبة قلبي، لتكون المفاجأة، والهدية التي ناب عني في تقديمها وتسليمها، هذا الساحر
العجيب، فقمت بفتح الحاسوب، وأمرت برونتو أن يعانقه بوصلة رقيقة وأنيقة، فامتزج
الدم بالدم، وانسجم الإحساس بالإحساس، فما هي إلا لحظة حتى انسابت تلك القصيدة
الرقيقة الرقراقة ، بكل معانيها وبسمو مبانيها، وبعذوبة ألفاظها، منسقةً منمقةً
مشكلةً كاملةً حملها ذلك الأمين في أعماق قلبه،
ليلصقها بأمري في عقل ذلك الألمعي، وكم كانت سعادة زوجتي وهي تترنم
أمامي بقصيدتي، تقرأها ترددها تتلذذ بما فيها، وقلبي يكاد يطير فرحا وطربا وشوقا
وتوقا، فما كان من حبيبتي إلا أن احتضنتني بكل لطف ووداعة، ثم رفعنا برونتو عاليا،
وهتفنا معاً، نحبك يا برونتو.
(
ألا تعجبون؟ , ألا تطربون؟ )
وقال ثالث: أيهٍ يا أحباب، هذا
البرونتو العجيب، فما أدري ماذا أقول،
وما أدري وصفا يليق بهذا الرائع العجيب، فهو الذي أنقذني بعد الله، وأخرجني
من عزلتي، وأنار لي طريقي،فقد كنت
أطلب العلم في الجامعة، كغيري من أقراني، وكنت دائم التودد لهم، حتى
يساعدوني في توفير ما أحتاج من مذكراتٍ لتدوين دروسي ومحاضراتي، وكم كانت معاناتي،
في تحصيل هذه الوريقاتِ، أجلس في قاعة المحاضراتِ صامتا، ساكتا، ساكنا، أستمع إلى
صريف الأقلام تكتب كلما هو كائن،
وأنا غارقٌ في تفكيري
الشارد، أسأل نفسي من سيعطيني
اليوم مذكرته؟ فلان أعطاني البارحة، وفلانة لم تحضر إلى الجامعة ، فأنتظر الفرج من الله، الذي
لا تغيب عنه غائبة، وتتواصل معاناتي حتى بعد حصولي على بعض المذكرات، فأسعى لتدوين
المعلومات
على
شريط تسجيل، فتبقى المشكلة قائمة، من يسجل لي هذه المعلومات؟، فلان يعتذر لأنه مشغول، والآخر
لانشغاله بالاستعداد لامتحاناته، فهو يأبى المثول، وآخر، خطه
لا يُقرأ غير واضح فليس إلى سبيله الوصول، وتزداد مأساتي ومعاناتي، إن تعطل جهاز
التسجيل، أو تلك الليلة كان خط الكهرباء مفصول، وبين طرفة عينٍ وانتباهتها يغير
الله من حالٍ إلى حالِ، فكان برونتو ذاك العجيب، الذي كفاني، وآواني، وأسعدني،
وأمتعني، وعن جميع الخلق أغناني، دخلت يوما إلى قاعة المحاضرات، ولكن الحال غير
الحال، جلست وبين يدي ساحري العجيب، أقلبه بين يدي، أضمه إلى قلبي، أداعبه بأناملي،
ورأى رفاقي هذا العجيب الماثل بينهم، بحلته البهية، وبشكله الأنيق اللطيف الرائع،
ولكم كانت سعادتي غامرة عندما تألق برونتو أمام الجميع، ليُبهِر الجميع، فمنهم ناظرٌ بتعجب، وآ
خر يحملق بإعجاب، وثالث يسأل باهتمام، وغيره واقفٌ
بسلام.
دخل الأستاذ المحاضرة، وبدأ يتهيأ لإلقاء الدرس، ثم توقف فجأة، فكأنه رأى شيئا أثار فضوله، فبادرني
متسائلاً ما هذا الذي بين يديك؟، وماذا تفعل الآن؟، فابتسمت ابتسامةً مشرقةً أشرق
معها كل شيء في حياتي، قلت له، هذا برونو يا أستاذ، وإني أدون الآن كل ما توصله لنا
مشكورا من معلوماتك القيمة، فتعجب الأستاذ، واستمر متسائلا، أوَيستطيع هذا الجهاز
الصغير، تدوين كل محاضراتك ودروسك؟، فقلت له بلى يا أستاذ، ويستطيع الأكثر من ذلك،
وأخذت أشرح له باستفاضة، كل ما يقدمه هذا العجيب لأصدقائه المكفوفين، من خدمات
جليلة، لتجعل منه حقا الرفيق الدائم لكل كفيف، والكل منصتٌ باهتمام، منقطع النظير،
هامسين: سبحان الله سبحان الله، قال لي أستاذي، حقا أنت اليوم ستتفوق بفضل هذه
التقنية الرائعة على كل أقرانك من غير المكفوفين، وأصبح زملائي الذين كنت احتاجهم
في مسيرتي العلمية، يأتونني لنقل المعلومات التي تنقصهم، وأنا أملي عليهم ما يرغبون
تدوينه، فصرت بدل أن كنت اليد التي تنتظر العطاء ، أصبحت اليوم مع برونتو اليد التي تُجزِل
العطاء، ألا تهتفون معي نحبك يا برونتو.
وقال رابع: أتعلمون يا أحباب، أن برونتو هذا العجيب، كان سببا رئيسا في
نقلي من وظيفة صغيرة، إلى وظيفة مدير إدارة كبيرة، فقلنا
وكيف؟
قال: لقد تخرجت بعد
حصولي على إجازةٍ أكاديمية في علم القانون، ومَن الله عليا بتعيين فوري في إحدى
الدوائر، ولكم كان أملي كبيرا عندما قُبِلت أوراقي في هذه الدائرة، أن أمارس دوري
الطبيعي بممارسة تخصصي في علم القانون، ولكم كان ألمي عظيما، وحسرتي بالغة، عندما
فوجئت بأنهم عينوني وكلفوني بعمل موظف على المقسم الهاتفي، فأنكرت ذلك، ورفعت
احتجاجي لإدارة الدائرة، لِما لا أمارس تخصصي الذي تعبت وسهرت وثابرت وصابرت من أجل
الحصول عليه؟
فكان الجواب بكل بساطة، أنت تحتاج من يكتب لك، والدائرة لا تملك لك
ذلك، ولا يمكن لها البتة أن تخصص لك موظف لحسابك، فأمسكت دمعتي في عيني، وكتمت آهتي في قلبي، ورضيت مرغما بل
ومكرها أن أقبل، فكأنني مجبورٌ على مرافقة من لا أهوى، ولا أحب، والله أعلم بما
يجيش في خاطري، من ألم، وما يعِن في نفسي من أمل في تغيير هذا الواقع، فحباني الله
بهذا الأريب العجيب، ليكون له كلمة الفصل في هذا الأمر الجلل، فما هي إلا أيام
قلائل، وكان برونتو رفيقي الذي لا يفارق، وأنيسي الذي لا غنى لي عنه، وكان من كرم الله، أن زارنا
يوما المدير العام لتلك الدائرة، وقدر الله أن برونتو كان برفقتي، يسليني ويمتعني، فدخل ذلك المدير، فرآني
جالسا أداعبه وأراقبه، فابتدرني بالسؤال عن اسمي، وطبيعة عملي، فأجبته عن سؤاله، ثم
وقف بجانبي ينظر إلى هذا العجيب وأحسست أن في عمقه كلاما، فسألني ما هذا الذي بين
يديك؟، فعاجلته بإجابتي هذا برونتو،
رفيق دربي، وأنيس وحدتي، فسألني وماذا يقدم لك هذا الرفيق؟ وكان يبدو من
سؤاله أنه من أصحاب الذكاء، فدلفت أستعرض إمكاناته الرائعة، وهو ينصت بكل اهتمام،
وبمجرد أن حركت ما فيه من هذه القدرات، وكان مبدأها أني سمعته وهو يقول بصوت شجي
ساحر، ندي، (برونتو جاهز للعمل قائمة برونتو معالج النصوص)، فرقص قلبي طربا وفرحا،
وجلس الرجل، وبدأت اكتب له في هذا الدفتر بعض الطرف والنتف، وهو يبدي إعجابه ومتعته
بما يرى ويسمع،
وباغتني بسؤاله عن طبيعة عملي الآن، فسقطت دمعة من عيني لطالما كانت
جامدة، وانطلقت آهةٌ من أعماق نفسي لطالما
كانت كامنة، وقصصت عليه قصتي، ورفعت له شكوتي، فدُهِش
الرجل لما سمع ورأى، فرَّبت على كتفي بكل رفق ومودة، وقال لي اطمئن، اطمئن ، فإني
اعرف العديد من إخوانك المكفوفين ممن كنت أراهم في العديد من اللقاءات والمؤتمرات
يعملون على هذه الأجهزة التقنية الرائعة، فأنا أعرف قيمتها ودورها، ولكن أحببت أن أختبر قدراتك، ومدى جودة إمكاناتك، فوجدتك أهلا أن تكون في غير هذا المكان،
وهنا تنفست الصعداء، وانتابني شعورٌ بيقين أن فرج الله
قادم.
وعلى الفور، أصدر مرسومه الإداري، الكريم، بنقلي، في التو والحال، من
وظيفتي هذه، لأصبح بين عشيةٍ وضحاها، مدير إدارة الشؤون القانونية بهذه الدائرة،
لأصبح شخصا فاعلا معطاء نافعا لخدمة مجتمعي وقومي، وبات برونتو، هو المضيء بعد الله
لدربي، وهو رفيقي، ومعيني وصديقي، وأكاد أرفعه لرتبة شقيقي، أما ترددون معي جميعكم،
نحبك يا برونتو؟
ولا أكتمكم سراً، أيها
الأحباب، ولا أخفيكم خبرا أذا قلت لكم أن هذا اللقاء المفعم بعواطفه الجياشة، وأسلوبه المحبب للقلوب،
نقلته لكم محبرا، وممتعا، ورائق،ا وشائقا، من بوتقة هذا الساحر العجيب، وأنتم
ستكونوا على موعد معنا، لنعيش
كلنا لحظة بلحظة، وهمسة بهمسة، نهمس بها في قلوبكم وعقولكم لتشدوا معنا
جميعكم، وبكل إحساس نحبك يا برونتو.
إلى لقاء قريب.